أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
332
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الإنسان وتدبره أموره و « راعنا » يقتضي المشاركة لأن معناه : ليكن منك رعاية لنا ، وليكن منا رعاية لك ، فنهوا عن ذلك لأن فيه مساواتهم به - عليه السّلام - وقرأ الحسن وأبو حيوة : « راعنا » بالتنوين ، ووجهه أنه صفة لمصدر محذوف أي : قولا راعنا وهو على طريق النسب كلابن وتأمر ، والمعنى : لا تقولوا قولا ذا رعونة . والرعونة : الجهل والحمق والهوج وأصل الرعونة : التفرق ومنه : « جيش أرعن » أي : متفرق في كل ناحية ، ورجل أرعن : أي ليس له عقل مجتمع ، وامرأة رعناء ، وقيل للبصرة : الرعناء قال : 671 - لولا ابن عتبة عمرو والرّجاء له * ما كانت البصرة والرّعناء لي وطنا « 1 » قيل : سميت بذلك لأنها أشبهت « رعن الجبل » وهو الناتئ منه ، وقال ابن فارس : « يقال : رعن الرجل يرعن رعنا » وقرأ أبي : راعونا ، وفي مصحف عبد اللّه خاطبوه بلفظ الجمع تعظيما ، وفي مصحف عبد اللّه أيضا « أرعونا » لما تقدم . والجملة في محل نصب بالقول ، وقدم النهي على الأمر لأنه من باب التروك فهو أسهل . قوله : انْظُرْنا الجملة أيضا في محل نصب بالقول ، والجمهور على « انظرنا » بوصل الهمزة وضم الظاء أمرا من الثلاثي ، وهو نظر من النظرة ، وهي التأخير أي : أخرنا وتأنّ علينا ، قال امرؤ القيس : 672 - فإنّكما إن تنظراني ساعة * من الدّهر ينفعني لدى أمّ جندب « 2 » وقيل : هو من نظر أي : أبصر ثم اتسع فيه فعدى بنفسه ، لأنه في الأصل يتعدى ب « إلى » ومنه : 673 - ظاهرات الجمال والحسن ينظر * ن كما ينظر الأراك الظّباء « 3 » أي : إلى الأراك وقيل : من نظر أي : تفكر ثم اتسع فيه أيضا ، فإن أصله أن يتعدى بفي ، ولا بد من حذف مضاف على هذا أي : انظر في أمرنا . وقرأ أبي والأعمش : « انظرنا » بفتح الهمزة وكسر الظاء أمرا من الرباعي بمعنى : أمهلنا وأخرنا قال الشاعر : 674 - أبا هند فلا تعجل علينا * وأنظرنا نخبّرك اليقينا « 4 » أي : أمهل علينا ، وهذا القراءة تؤيد أن الأول من النظرة بمعنى التأخير لا من البصر ولا من البصيرة ، وهذه الآية نظير التي في الحديد : « انْظُرُونا نَقْتَبِسْ » « 5 » فإنها قرئت بالوجهين . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 105 ] ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 105 )
--> ( 1 ) البيت للفرزدق وهو من شواهد القرطبي ( 2 / 42 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 29 ) ، القرطبي ( 2 / 42 ) . ( 3 ) البيت لعبيد اللّه بن قيس انظر ديوانه ( 88 ) ، القرطبي ( 2 / 42 ) . ( 4 ) البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته انظر شرح المعلقات للتبريزي ( 380 ) ، الزوزني ( 127 ) ، الشنقيطي ( 99 ) ، القرطبي ( 2 / 42 ) . ( 5 ) سورة الحديد ، آية ( 13 ) .